السيد كمال الحيدري
435
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
بمعنى أنَّ صدور الشرك مطلقاً ليس من شأنهم عليهم السلام ، ممَّا يعني أنَّ يوسف الصديق عليه السلام لم يكن بصدد نفي الفعل عنهم ، وإنما عنى نفي الشأنية ، ونفي الشأنية يجعل الفعلية سالبة بانتفاء الموضوع ، هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى : إنه عليه السلام باستعماله ذلك أراد القول بأنَّ صورة الشرك أو التفكير به منفيّ عنه وعن آبائه عليهم السلام ، فالشأنية تُناسب الصورة الذهنية ، بخلاف الفعلية فإنها تناسب الصدور والوجود الخارجي ، وإذا انتفت الصورة الذهنية للشرك فلا معنى لتوقّعه خارجاً ، وهو من التعابير الدقيقة جداً ، التي أخفق في تجليتها الكثير ، ونجا في تصويرها القليل ؛ وله سبحانه المنّة وحده في ذلك ؛ علماً بأنَّ هنالك مواضع قرآنية كثيرة تتّفق مع فكرة الإخراج بمعنى الدفع لا الرفع « 1 » .
--> ( 1 ) لقد تعرَّض السيد الأُستاذ لموارد عديدة لترسيخ وتوكيد قرآنية الإخراج بمعنى الدفع ، فاخترنا بعضاً منها ، وتركنا بعضاً روماً للاختصار ، ولكننا وجدنا في بعض ما تركناه نُكات دقيقية جداً ، وفوائد جمَّة ، فارتأينا عرض مصداق آخر يتضمّن ذلك كلّه ، يُعمِّق لنا فكرة الإخراج غير المسبوق بحالة سابقة ، من خلال فكرة الإرجاع لشيء من غير الكينونة فيه مسبقاً ، من جهة ، ومن جهة أُخرى يفتح أمامنا آفاقاً جديدة في فهم لغة القرآن ، وهو ما يتعلَّق بقوله تعالى : . . . وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ . . . . النحل : 70 . قال دام ظله : إنَّ كلمة : يردّ ، عادة ما تُطلق في العرف على الكينونة في مكان ما سلفاً ، فتُرك زمناً ما ثم حصل الردّ والعود إليه ، فيكون الردّ كاشفاً عن حصول حالة سابقة ، وهي الكينونة في المكان المردود إليه ، إذا اتّضح ذلك نعود للآية الكريمة ، فإنها تقول : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ، ومن الواضح بأنَّ أرذل العمر لا يُمثّل حالة سابقة ، وإنما هو حالة لاحقة ، فكيف يكون الردّ والرجوع لحالة لاحقة في حين إنه مقترن بالحالة السابقة ؟ من هنا يتّضح لنا بأنَّ كلمة الردّ قرآنياً لها معنى آخر غير الرجوع العرفي ، حيث تصدق أيضاً على العود لحالة لاحقة ، وبذلك يتأكَّد لنا الفعل الذي يقتضي حالة سابقة في البناء / / العرفي وربما اللغوي أيضاً ليس بالضرورة أن يكون كذلك في الاستعمال القرآني ؛ ولهذه الاستعمالات الاستثنائية أهمية كُبرى في تحقيق الألفاظ القرآنية ، فالألفاظ القرآنية أو الاستعمال القرآني للألفاظ لا يكون مُستمدّاً على نحو الموجبة الكلية من اللغة العربية ، فهنالك لغة عربية وهنالك لغة قرآنية ، واللغة العربية ليست سوى مادّة أولية للغة القرآنية ، وإلا فاللغة القرآنية أرقى وأدقّ من اللغة العربية ، ويُمكنك القول بأنَّ اللغة القرآنية لغة إلهية خالصة ، في حين إنَّ اللغة العربية لغة بشرية ، علماً بأنه ليس هنالك نصّ ديني نزل بلغة إلهية خالصة سوى القرآن ، فجميع الكتب السماوية السابقة صاغتها ألسنة البشر بلغة البشر ، ولا ينبغي أن يتوهَّم أحد بوجود بينونة بين اللغة القرآنية الإلهية وبين اللغة العربية البشرية ، فقد عرفت أنَّ العربية مادّة اللغة القرآنية ، وأما الاستعمال فهو إلهي خالص ، ومن هنا تفهم بأنَّ القرآن الكريم نزل بلغة العرب مادّةً لا استعمالًا ، فالاستعمال قد يكون موافقاً وقد لا يكون ، ولكن بحسب المُتابعة والتحقيق وبمقتضى الموضعية والإنصاف وجدنا أنَّ الاستعمال الغالب هو الموافق للاستعمال العربي ، وأنَّ هنالك نسبة محدودة ولكنها ليست بقليلة ، بمعنى أنها ترتقي لإثبات الامتياز والتمييز بين اللغتين . ولعلَّنا نُوفَّق لترسيخ هذه القضية في دراسات قادمة ، فإنها تتعلَّق بنصوص قرآنية مهمّة جداً ، من قبيل آية التطهير ، وكذلك لها علاقة وثيقة بكلمات المعصومين عليهم السلام في صورة ثبوت التواتر اللفظي ، أي : قطعية كون اللفظ صادراً منه ، من قبيل قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : ( من أطعم أخاه حلاوة ، أذهب الله عنه مرارة الموت ) . مستدرك الوسائل ، للمحقق النوري الطبرسي : ج 16 ، ص 355 ، ح 2 ، فإذهاب المرارة إنما يكون بعد حصولها لا قبل ذلك ، ولذا فهي بمعنى الدفع لا الرفع ، كما هو واضح ، وهكذا هو الحال بالنسبة لمورد فقرة بحثنا ، وهو قوله : يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ، فالإخراج من الظلمات بالنسبة للمؤمن من باب الدفع لا الرفع . .